سيد محمد طنطاوي

115

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : ومن رحمته بكم ، وفضله عليكم ، أن ألقى - سبحانه - في الأرض جبالا ثوابت كراهة أن تميد وتضطرب بكم ، وأنتم عليها . * ( وبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ ) * أي : وأوجد ونشر في الأرض التي تعيشون فوقها ، من كل دابة من الدواب التي لا غنى لكم عنها والتي فيها منفعتكم ومصلحتكم . والبث : معناه : النشر والتفريق . يقال : بث القائد خيله إذا نشرها وفرقها . ثم بين - سبحانه - نعمة ثالثة فقال : * ( وأَنْزَلْنا ) * أي : بقدرتنا * ( مِنَ السَّماءِ ماءً ) * أي : ماء كثيرا هو المطر ، * ( فَأَنْبَتْنا فِيها ) * أي : فأنبتنا في الأرض بسبب نزول المطر عليها . * ( مِنْ كُلِّ زَوْجٍ ) * أي : صنف * ( كَرِيمٍ ) * أي حسن جميل كثير المنافع . والإشارة في قوله : * ( هذا خَلْقُ اللَّه . . ) * تعود إلى ما ذكره - سبحانه - من مخلوقات قبل ذلك . والخلق بمعنى المخلوق . هذا الذي ذكرناه لكم من خلق السماوات والأرض والجبال . . . هو من مخلوقنا وحدنا ، دون أن يشاركنا فيما خلقناه مشارك . والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه ) * واقعة في جواب شرط مقدر ، أي : إذا علمتم ذلك فأروني وأخبرونى ، ماذا خلق الذين اتخذتموهم آلهة من دونه - سبحانه - إنهم لم يخلقوا شيئا ما ، بل هم مخلوقون للَّه - تعالى - . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تحدى المشركين ، وإثبات أنهم في عبادتهم لغير اللَّه ، قد تجاوزوا كل حد في الجهالة والضلالة . وقوله - سبحانه - : * ( بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * إضراب عن تبكيتهم وتوبيخهم ، إلى تسجيل الضلال الواضح عليهم . أي : بل الظالمون في ضلال بين واضح ، لأنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع ، ويتركون عبادة اللَّه - تعالى - الخلاق العليم . ثم ساق - سبحانه - على لسان عبد صالح من عباده ، جملة من الوصايا الحكيمة ، لتكون عظة وعبرة للناس ، فقال - تعالى - : [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 12 إلى 19 ] ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّه ومَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِه ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 12 ) وإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِه وهُوَ يَعِظُه يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 ) ووَصَّيْنَا الإِنْسانَ بِوالِدَيْه حَمَلَتْه أُمُّه وَهْناً عَلى وَهْنٍ وفِصالُه فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) وإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 15 ) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّه إِنَّ اللَّه لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وانْه عَنِ الْمُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ( 17 ) ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ولا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 18 ) واقْصِدْ فِي مَشْيِكَ واغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 )